الأدب الفصيح

العملاق المسموم / قصة : منال الأخرس

نشر الموضوع :

 

جرعوه كل السموم ولم يمت، ترعرع الكيان المسموم على السموم ، نما واشتد وأصبح ماردا لا أحد يقدر عليه ،عندما هاج بالأمس القريب ظن الجميع أنها النهاية .  ولما لا والكل يساهم في تغذيته بالسم . ارتعدوا جميعا ولم يجرؤ أي منهم على مقاومته .. لم يحسب لهذا اليوم أي منهم أي حساب ما ظنوا أبدا أن سيأتي يوما ليثور هذا العملاق العتي ..

كان مطلبه الوحيد تغيير ثيابه ، ظنوا أنه يثور من أجل أشياء أخرى , لكنهم استهانوا به ، رغم قدم الثياب وضيقها عليه ألا أنهم يرون أنها مناسبة له ؛ لقد اعتاد عليها ..

أوهموه أنها هي الوحيدة التي تستوعب حجمه …  لم يعد يقنعه كلامهم ولا مبرراتهم الساذجة .

أضحى العملاق أذكى من أي وقت مضى , أضحى أنضج من أي وقت مضى , بل هو كذلك في كل ما مضى ؛ لكنه كان صابرا

خانعا .كان يعي كل شيء حتى السم الذي يطعمونه إياه ..

 

الآن لم يعد صابرا كما مضى ولن يظل صابرا وديعا كما مضى .

لم يعيروه اهتماما فمطلبه ذلك لم يحرك لهم ساكنا . لم يكن هاما لديهم أن يلبوا طلبه فبعد ان تشاوروا في أمره توصلوا إلى ان تلبية ذلك المطلب سيكون وراءه سيل من الطلبات لن ينتهي . لذا فلا يجب أن يستجيبوا لما طلب …

كان الصمت سيد الموقف . اتفقوا على ذلك .

ظنوا أنهم اخمدوا ثورته . وأنه لن يعاود الأمر مرة أخرى .

في اليوم التالي طالبهم المارد بتغيير كل شيء حوله ، كان اكثر عنفا لم يبالوا أيضا ..

أضحى العملاق أشرس مما مضى . تشبث بكل شيء بل وأخذ يحطم قيوده ويكسر ما حوله من حواجز، فر منهم من فر ومضى من مضى ..

لم يكن مطلبه فرارهم . كان فقط يريد أن يشعر بمن يرفق به ، ويمنحه قدرا من الاهتمام حتى وإن جرعوه سما حتى وإن تركوه جائعا ..

 

كان يأكل السم راضيا قانعا ؛ لكن رغبته في تغيير ثيابه التي استهانوا بها هي التي جعلته يحطم كل شيء ؛ رغم كثرة قيوده التي كبلوه بها ، ظنا منهم أنه سيعجز عن كسرها وتحطيمها  . كان حاجز الخوف أصعبهم . وما أن أزاحه العملاق عن طريقه حتى خافوا هم منه ، تواروا وتركوا كل شيء مهلهلا . أخذ على عاتقه ترتيب كل شيء كما كان قدر إمكانه . لم يكن يرغب في تدمير شيء أو إتلاف شيء . كان مطلبه بسيط جدا فقط تغيير الثياب ’ التي أصبحت مليئة بالثقوب فهذا حقه .

لكنه لم يطلب طعاما نظيفا ، لم يطلب ماءا نقيا وهذا حقه لكنه لم يكن سبب ثورته ..

لم تكن ثورته فوضاوية ولا غوغائية كان كيانا متحضرا  ولم يكن مخربا ..

كان العملاق أصيلا وذكيا يسكنه رادارا فطري نحو الصدق  ، لم يخدعه محاولة بعض مخادعيه في منحه رداءا لا يليق به فخلعه غير عابئ بردة فعل أصحابه . اختار أفخم ثياب وأرقى ثياب حقا يليق به . فرض إرادته على الجميع .

 

فطن العملاق  أن كل الأثواب وحتى الفخمة منها لابد وأن تبلى ، تحتاج للتغيير ولا يمكن  الاحتفاظ بها للأبد .

فالتغيير سنة الكون .. ترى هل سيضطر للثورة من جديد ؟ أم تفهم الآخرون تلك السنة الكونية ؟

استيقظت من نومي أشعر بدفء غير عادي رغم برودة الشتاء ، كانت الشمس تتسرب من كل حيز قدر استطاعتها نحوي ، تمتد قاصدة جذبي للخروج إليها ..

إذا بضجيج هائل لم ينسجم مع طبيعة الشتاء الساكنة الكامنة المحرضة على الصمت والكتمان ، لم أتبين من تفاصيل ما أسمع هل هو أمشير و زعابيبه أم مشاجرات امتدت للشوارع الخلفية أم أنها طلقات نارية وصرخات تتعالى ..

كان الزحام سيد الأجواء وأصوات انفجار هنا وهناك . لم أتمكن من التخلص من رواسب ذلك الحلم العالق قي ذهني – العملاق والسفاحين – لازالت تفاصيله مسيطرة علي مخيلتي ، كانت صورة العملاق المكبل بثيابه لم تفارقني ، كانت تسكن عيني والأحداث تمر في عقلي . حتى ظننت أني لا زلت في نومي لم أستيقظ بعد .

كيف وصل كل هذا الصخب بالحي الهادئ الذي أسكن فيه ؟

ظلت الأسئلة تعصف بي محاولا الوصول لحقيقة الأمر .

تركت فراشي ولا أعلم لماذا توجهت نحو خزانة ملابسي رغم أني مرتبط بزي وحيد تفرضه علي طبيعة عملي .

تشوقت لارتداء ثياب أخرى لكن هالني ما رأيت لقد فسدت ثيابي جميعها من كثرة حبسها في الأدراج أتت عليها العته دمرتها ..

كان إصراري أقوى من أي وقت مضى .. أخذت كل ما معي من مدخرات متجها لأفخم مكان لأشتري ثياب جديدة ، أخذتني الحيرة لكنها لم تعطلني ولم أستسلم لها ونجحت في شراء ثياب فخمة اعجبتني لدرجة اني خلعت ملابسي المعتادة وخرجت مرتديا ثيابي الجديدة متباهيا متأنقا ، يملؤني شعور عنيف بالزهو والفرحة لم أذقه منذ سنوات لم ألتفت حولي ولم ألحظ ما حدث من شجار في الحي الهادئ ليتحول إلى مسرحا من الأحداث الجسام ، الجميع حولي منهك  ومتعب ؛ هذا مصاب ، هذا جريح ، هذا ينزف . إلا أنا الجميع حولي ممزق الثياب وقواه مرهقة إلا أنا الجميع كانت رؤوسهم منكسة إلا انا ، مددت يدي لجاري العزيز أساعده على الوقوف ، أخذته إلى مسكنه ، ظللت معه حتى هدأ ليحكي لي ما حدث ، كانوا مثلي يريدون التغيير لكنهم ضلوا الطريق لتحقيق هدفهم . ظنوا انه سيحدث بلا ثمن وبلا مجهود حتى ضاع منهم كل شيء ..

 

تمت

قصة : منال الأخرس

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق