الأدب الفصيح
أخر الأخبار

أنين النخيل / قصة : رضا آنسته – الأهواز , إيران

نشر الموضوع :

 

جنَّ اللیل، وأخرجوني من جحري، أرنو إلی سماء بعیدة، ملمَّعة بقنادیل مشعَّة، أستنشق هواء علیلاً، یملأ رئتي بفرح طري، تهبُّ ریح ندیّة حاملة معها رائحة ياسمين، تشعرني بالانعتاق والحریّة.. تكنس الرائحة الزنخة العطنة، لحاویة القمامة التي قذفوني فیها. أظل واقفاً هكذا للحظات، كأنها ساعات وسنین طویلة… تتسرّب فیها حبّات الزمن من بین أصابعي، ویمرُّ شریط حیاتي، على شاشة ذاكرتي”سناء، كوت الشيخ، المحرزي، سوق السيف…” أشعر بأني شجرة نبتت في قفر، وكأن لیس في هذا الكون إنسان سواي. تتساقط حبّات مطر ربيعي  عذب، تذيقني طعم كارون، وتروي ظمأ صحراء روحي، أنتعش، ویولد للعالم معنی، كنخلة نبتت في واحة.

بعد الانتهاء من ممارسة طقسي المسائي، في الأربعاء السوداء تلك، لآخر مرة، أحدق فیهم كرصاصة، وأعود إلی جحري، لیخرج آخر سواي، فلا یحرم أحدنا فرصة الاستمتاع  بكرم الطبیعة وبذخها، ومائدتها السماویة، وأرقب أنا البقیة.. من فوق كنورس حوَّم حولهم من بعید، شاخصاً ببصره إلیهم، يدعوهم إلی التحلیق معه عالیاً، وأن یتخفَّفوا من أعباء أعمارهم وحیاتهم الیومیة المبتذلة.. أنظر طابور المترقِّبین دورهم، كصف من النخيل”ناصر، محيي، دِهراب…” وكأنَّ الطیر علی رؤوسهم، متعجِّلین، كي یخرجوا إلی السماء، ویمتِّعوا نواظرهم، بمنظر القبَّة الزرقاء الفسیحة، وقد بدت البهجة علی وجوههم، وشفَّت مرایاها عن حلم عذب بنكهة البِرحي، أقرأ في صفحاتها قصائد غزل عذري جمیل بنغمة الصبا. خاصة محيي الذي لم يكمل البارحة زفتَّه. تتدافع الصفوف، وتتسابق إلی الخروج والهجرة، كما تتدافع موجات الماء المتكتِّل وراء سدِّ عال. أشعر بأنِّي محظوظ، وبغبطة، لأني كنت أوَّل قطرات ذلك الماء، التي استطاعت أن تخترق جدار ذلك السد، وترسم ثغرة في جسده الإسمنتي الصلب، عطشانة، إلی شرب رذاذ الضوء المتناثر، من الكأس المعلَّق فوق رأسها. شعرت أن كارون قد بدأ يتحرر.. لم یكن أحد منَّا یحبُّ أو یرید الصحو. فكلَّما أخذوا منَّا واحداً، غرسوا في جبینه نجمة، وأنبتوا له جناحین، كانت تُزهر لنا ریشات بیضاء تتلامع، تثیر غیرة النجوم. لم أكن قبل تلك اللیلة أصدِّق ولا حتَّی في الحلم، أن بإمكان الإنسان أن یطیر. كنت أظنني أحلم. كنت أرید أن أتأكد أن ما أعیشه وأطیره، لیس حلماً یتبدد مع همهمات الصباح.

بعد أن تحوَّل آخرنا إلی آخر طائر، وحلَّق بعیداً،  مطوِّفاً في الآفاق، مودّعاً المحمَّرة، مهاجراً ناحیة الخليج.. جمعوا جثثنا من الساحة، وفكُّوا وثاق من كان مصلوباً إلی جذوع النخل، حلُّوا عنَّا عصائب أعیننا، لفُّونا بخِرق بالیة، وبصمت اللیل المطبق، كدَّسونا في شاحنة قذرة، كما تُكدَّس أكوام اللحوم، التي یذهب بها من المسلخ إلی سوق الجزارين. كان أزیز الشاحنة یشُّق ستار اللیل، ویقرع أسماع الحصی، في الطریق، لكنَّ لا أحد من المدینة استیقظ! توقَّفت بنا الشاحنة عند مقبرة، وتناهی إلینا نباح كلاب مسعورة في صقيع الشتاء، رجفت أعماقنا بالغربة.. سحبونا كما تسحب الذبائح، ثقبت حديدة ناتئة كمسمار، بأرضية الشاحنة خاصرة ناصر. أضراس الأسفلت تكشط جلودنا، وسهم الدم یخترق الأرض… ألقونا في حفرة عمیقة مظلمة، واحداً فوق الآخر. كنت شاهداً علی تلك المجزرة، لكنِّي لم أشأ أن أعود، وأهبط إلی الأرض، لأخبر الناس عنها، نشوة الطیران كانت تمنعني، وأیقنت أن المدینة لو كانت ستصحو، لأیقظها أزیز الرصاص ونحيب محرِّك الشاحنة، صراخ الحصی، وهو یتلوَّی ألماً، تحت ثقل إطاراتها، ولَفَزُّوا علی رائحة الدم، وضوئه الذي انتصب كعمود أو منار… لكننا تركنا خط الدم للأطفال… كنت ما أزال خائفاً ومرعوباً من أنَّني أحلم…أن أسقط إلی الأرض، بعد الاستیقاظ، ومازال یؤرِّقني سؤال حائر، يخز روحي مثل أشواك نخلة حادة:

كیف یكون “الإنسان”، وهو لا یحلم؟

 

 

قصة : رضا آنسته – الأهواز , إيران

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق