الأدب الفصيح

النّادل الأخير / قصة : شعيب بنبوبكر

نشر الموضوع :

 

 

مهما كانت وجهتك في هذا العالم…فوق أي أرض و تحت أيّ سماء…في أكبر المدن و العواصم و الوجهات السياحية كما في أنأى القرى المجهولة ستجد حتما “مقهى” … المقهى أحبتي مقولة تتباين نماذجها …تتمرّد حتى بمحاولة لانتزاع اسم تمييزي من المعجم يخصّصها: مقهى/قاعة شاي/مقهى-مطعم/مقهى-حانة /مقهى ثقافي…لا من حيث التعريف- في الحقيقة -و لكن من حيث التقسيم و التصنيف بينها من العلامات المسجلة إلى السياحي و الفاره منها و المرفّه إلى الشعبي و حتى اللامصنف و بينها درجات…فهي بذلك عنصر آخر تحت عنوان تسلسل التّراتب الاجتماعي يضع لكل حدوده و وجهاته بقصد.و نجد لها كذلك تقسيمات أخرى كأصحاب المهنة الواحدة فنقول “مقهى الصيّادين” أو مقهى “الموسيقيين” أو “دار الصّحفيّ”…”مقهى الكومبارس”… تتّحد فيها الإهتمامات و تفترق و تنسجم الأحاديث و تختلف و تعقد الصفقات.

قّدرت أحبتي أمام هذا التنوع في تصنيف المقاهي بكل أبعاده حدّها بمجالين ،الأول :خصومة حول مباراة كرة قدم،لعبة ورق تخفي قمارا زهيد القيمة،سعال حاد يأتي من أركان المقهى و أعقاب سجائر مهربة،بقايا القهوة و الشاي في كؤوس مهملة ،شكوى العامة شيبا و شبابا تغالب الدخان الكثيف في السقف و همس يسرّ به الشيوخ بعضهم لبعض فيتسلل بين ما بقي من عظام في أفواههم يتلوه ضحكهم الصادق العابث بثنايا وجوههم مصحوبا باشارات أيديهم عبثا لا سفها -و ستجزم أن عمر الطرفة قد يجاوز أعمارهم- يحويهم جميعا مقهى يشبههم جميعا مجتمعين…يحفظهم كما يحفظون مكانه و تفاصيله البائسة و أغراضه البسيطة و العتيقة …ربما يشعر بهم و يألم لألمهم و يطرب لضحكهم …أقول ربما لأنهم يعودون إليه دائما غير منكرين مهما استهجنوه و سخروا منه .

أمّا الثاني فكل ما فيه وقف لراحة الزبون التي يفقدها بمجرد دخول المقهى …كل البدلات الأنيقة و الفساتين الجذابة…كل العطور الآسرة و المجوهرات الثمينة و التكنولوجيا المتطورة فوق طاولاتهم…وجوههم الناعمة و مفاتيح سياراتهم الفخمة …مشروباتهم ذات الجودة العالية …خطواتهم على المقاس…ابتساماتهم كذلك،تحسبهم روبوتات من صلصال…برودة ردود أفعالهم…تأنيهم المفرط…كلماتهم المقتضبة السريعة و هم يخاطبون النادل…كأن “البروتكول” و “الإيتكات” آلهة تعبد في هذه المقاهي الفاخرة …لذلك تشعر أن كل ما تقع عليه عينك زائف و مصطنع أو هو الشجرة التي تحجب الغابة …هنا تلتقي الذئاب بأزياء رسمية لتنهب و تسرق و تفضح و تخفي …هنا لا قيمة لما يضعه النادل فوق الطاولة بالنظر لما يباع و يشترى تحتها…هنا تجد الرّذيلة شرعية و كل ما في الخارج ينكرها.

رغم هذا البون اللامحدود بين المجالين أجدني أرسم لهما نقطة تقاطع منظورة/مخفية تعود بهما للمسمّى الأم “المقهى” …هذه النّقطة هي النّادل الأخير ذاك الّذي يسدل كلّ يوم ستائر المقهى…هو ذاته الّذي يعرف روح المقهى في صمتها الأخير …في فراغها و وحدتها…بل في تجلّيها الأصيل كثابت عج طول اليوم بمن أتوا و من ذهبوا بمن ضحكوا و من شكوا بمن قالوا و من صمتوا و من جدوا و من هذروا… بأهل المنطقة و بالعابرين…للجميع همّ يقوله و تكون المقهى ذاكرته لكن ليس سوى النادل الأخير يسمع ما تبديه المقهى…صوت الهواء المنسل بين نوافذها في ساعة متأخرة …صدى الكؤوس و هو يرتبها في سكون مهيب…اندلاق الماء على أرضها التي يتعهدها كل ليلة…عتمتها و ظلال الأشجار و المارين أمامها…حفيف أوراق الأشجار في بهوها…لا شيء من هذا يحضر سوى في خلوة المقهى بالنادل الأخير هذا الّذي يجمع غلة يوم كامل ليضعها في جيب “صاحب المحل” مقابل أجر بخس…فبأي حال تكون نسبة المقهى إلى صاحبها أقرب من نسبتها إلى النادل الأخير…هنا فقط يرتسم تقاطع لا يفرق بين نادل بزي رسمي و قفازات سوداء أنيقة و آخر بأكفّ سوداء من أثر تبغ “الشيشة” و فحمها، يسقي زبائنه مشروبات لا يرون حرجا في شربها آمنين…
لتجمعكم الألفة أحبّتي…

 

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق