المقالات الأدبية

الانحباس المشاعري من الأفازيا إلى البوح في شعرية عبير سليمان

نشر الموضوع :

 

بقلم : هدى الغول 

الشعر هو لغة الجمال التي تتصاعد مع حرارة المواقف كلما زادت قسوة الواقع ،و تنامت المعاناة، والشاعر كائن حساس يمتص هذا الواقع ويعيد بلورته وفق ذهنيته ونظرته الفلسفية؛ تبدو الشعرية متدفقة و تَعبر بانسيابية  في البوح عن الإنحباس المشاعري في نفس الأنا الشاعرة لدى عبير سليمان ، إذ نراها  كائناً غريبًا عن بيئته وعن العالم وكأن ارتكاب الشعر جريمة أو إثم لا يغفر…

” ووقفت أمام الناس أعدّد آثامي؛

لم تكن كثيرة ً

لم يغفر لي أحد”

على متن الزوارق الورقية وسكانها الغرقى في  مرارة الواقع، تتصاعد المعاني وتتباكى الكلمات على شعب عريق بات في العالم غريقًأ..

تفل  لغة الجمال والبساطة من الأفازيا إلى البوح المسترسل الساقط من روح تتبخر شعراً إثر تجربة حية لواقع مستعر بالمعاناة المنبثقة من صوت شعب بأكمله ، فمن الإهــداء تجلت تلك الواقعية المنسابة بالهدوء السابق للعاصفة ..

(إلى أجمل  شعب غريق في العالم)

يتمظهر الانشطار الذاتي للشاعرة بين الماضي والمستقبل ويسيل بحراً من تشظيات  زمكانية  تئن موجاته االصوتية، وتنقل الملايين من زوارق الورق التي قطفت من حدائق الشعر المحبوك بالإيحاء الحسي والحركي..

“قبل ذلك بزمن قصير كنا معا نرتب البحرَ

ونبني للرحلة

كل ما ليزم من زوارق ورقية.”

من مقدمتها تسلبك سليمان لعالمها المتجلي من ذاتية الوعي والللاوعي بين الهزلي والموضوعي في نقاوة المشهدية بين هلوسة الحلم ويقظة الحقيقة

“رأيت فيما يرى النائم حلبةً,,,,,وسمعت فيما يسمع الشاعر جلبةً”

وكأنها ترغب في إخبارنا عن حالة الاستجلاء والركض وراء الفكرة ،إذ بلباقة المبدع توحي لنا بالعدم واللاجدوى مما يحدث في النفس الشاعرة…

تنقسم التخيلية الشعرية بين ما يحدث في الحلم وما يحدث في الواقع ،ففي مُتن جولة اليقين تنجرف التيمات بفاعليتها المتحركة الكاشفة عن حالة التذمر العميق من واقعية يتمنى اللاوعي تغييرها بثورة على الشكليات التي تفرض نفسها والتي قد تنزلق صورها منجرفة كبركان ناعم يُصَبُّ في لوحة أو قصيدة..

( أحمل..اركنه..انسل..ادلقه…اجعل..امنح..امسح..احتاج أن أبكي) استخدام حاذق للأفعال تنقلنا من حالة لأخرى لذات تمردت حتى تخالها كائنًا من ماء تغير لونه وطعمه بمكدرات العيش فطفق الشعر مناجيا “يا الله ..يا الله ..هبني دمعة أحتاج أن أبكي” إذ أن البكاء هنا رغبةً مُلحة تدلق حبر المواقف على الورق، فيظهر العري في صورة استعارية  نائية عن الشبق، معلنة الانشقاق عن سلطة أبوية ، في حالة عصيان لولائية تركة مورثة تبدو في أغلب أحوالها ككتاب مجيد لا يجوز فيه التصحيح والتحديث..فكل حرف يُهذب بعده لابد أن يكون مجازا مرسلا وإلا فلن يكون كل نثر شعراً، ولو حمل في أعماقه درر اللغة وحسناوات ألفاظها..

في قصيدة العري الصفحات18,17,16,15  تشير الشاعرة إلى  العري الذي يعبر عن انفعالات روحية لا تنفصل عن انفعالات الجسد , حيث العري هنا وسيلة فنية وليست غاية بقصد تورية الجسد، بل هو وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة وإظهارِ لماهو  حقيقي  وإبرازٍ للجمال الفعلي للصورة ..

يقول الكاتب و الناقد الفني John Berger جون برجر : (أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا مكشوفا ،هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك. أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍ. أن تكون معروضاً يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه)

وهذا ما نراه مع السليمان إذ أنها تخبرنا عن ذات شاعرة متمردة على واقع مُعاش بكل ما فيه حتى مواريثه التي  منحته السلطوية والقُدسية وأعطته طابع الجذورية..

“جذور

أمد يدي الأولى

أتمسكُ بيد تنتظر خلف السور

أمد يدي الثانية

والثالثة والرابعة

أحاول القفز إلى الحديقة المجاورة

لأنجو من التراب الذي زُرعتُ فيه؛

لكن الجذر الأول يعيدني إلى المنبت،

كذلك الثاني

والثالث والرابع”

من نصوص كتبها الواقع تتشظى الفكرة على طول( جولة الشك )التي تضم عناوين كان لصوت الفنية فيها أزيزاً يخلق من الرصاص حالة تقاتل ويلات الحرب وتجمع فيالق اللفظ والمعني وتخلق منها لوحات حتى الفراغ فيها يحكي قصة ذاتٍ نضالية مقاومة…
” سئمتُ كل هذا اللغو،
أيتها البنادق الركيكة
البلاغة رصاصة واحدة في الجبين”…
“الجرار المقدسة_غفران_ رصاصة رحيمة_ القتلة على الحدود_عوسج”
ويأتينا الحب كلغة مميزة في نظرة المرأة المختلفة في عمق ذات ثائرة على تركة شرقية تخلق من الرجل اسطورة..
“صورة الفارس الذي يقارع التنين ازلتها عن حائطي
وعلقت مكانها لوحة سريالية لدالي”
فالمرأة الشاعرة كائن مختلف لا يمكن تطويعه وثنيه بسهولة،وهي من تجيد تطويع الحروف وتذليلها لتحويل مُعاشاتها إلى قصائد حية ..
“أنا امرأة مختلفة وراضية الآن
لدرجة أنني ابتسمت لمرآتي
فلم تعرفني!
حين تتكلم المرأة المختلفة عن الحب وتجاربه  يتفجر شريانها غيادق من العشق وسيبدو أن لا مثيل للرجل الذي أحبت ؛ ويتجلى هذا واضحا في نصوص الشاعرة التي فرقتها عبر المجموعة                        “الرجل الواحة – أنا عشر في يدك – أحبك لأصير أحلى- الهواء على طول الطريق – مليار رجل بالعالم- لابتسامتك  التي صادت فرسًا”


يأتي الجزء الثالث من قصائد الشاعرة ( جولة الخوف ) في سياق تجربة حافلة بالتدفقات العاطفية ،المليئة بالتجارب التي قد تبدو ذاتية حيناً وموضوعية حيناً آخر،وفيه نبحر مع الشاعرة في تجليات الحرب وتداعيات أوجاع الوطن ، وذلك بالتحرر من القيود التي تكبل رؤاها وتفتح آفاق على  عنفوان مخيلة يؤلمها ما جرى ويجري في العالم( الشعر دليلي الأعمى)، حيث يستوقفنا السطر الشعري المتشابك مع الذاكرة والمتصادم مع الحاضر والمنغمس في نظرة ضبابية ملؤها الخوف والخشية من تواتر أزمات داخلية وخارجية( بلى أخاف ).. إذ تتجلى الأحاسيس المرهفة المسرودة بعناية  شعرية طوال جولة الخوف واحتكاكنا فيها بصوت الشاعرة الصادح باستنكار ما يحدث حولها..

أيتها المدن المأهولة بالحرب والبرد

تلطفي قليلاً

إن أطفالك الحفاة

يمشون في قلبي

في مؤخرة مجموعتها الشعرية  تحملنا الشاعرة بقواها التفاعلية مع الحياة ، إلى الجولة الأخيرة  (جولة اللامبالاة)   وتظهر فيه انشطارات طاقتها المعرفية وتركيبتها البنائية على أوجِها وتصب ذلك في قوالب شعرية تنضح بالجمال في الرؤية الفكرية و الحسية لتجسيد ذاكرة الحرب والوطن والموت والحياة والحب ..

“لم نكن تماماً عدوتين – آل البهجة – انتحار-الحافة – دوران- لا بأس بالغبار- لحن خالٍ من الذكريات – كل شيءٍ تغير  “

وترسم معاناة الذات الشاعرة في  تقلبات  شعرية انبثقت من  وحي الألم ” لستُ ضميرك- بماذا تحلم الطيور؟- ألحان يابسة_ الخراب البديع – يوميات الطائر المهجور- -لا بأس بالغبار”

 

في رحلة شائقة على متن زوارق وطائرات  من ورق، حملتنا الشاعرة على محمل الدهشة والموضوعية  بين مجاز يمتطي الأخيلة ،وبلاغة نُسجت في أبسط صورها اللغوية، وازدانت  بالتلوين الفني والحركي في تسطير  ذلك الورق ، وغلفته بالشعرية الغنية بالجمال الصادح في وجه القبح ، وخلفت منه جوهرة فريدة تعلق على جيد الشاعرة وتضاعف من سجل نجاحها  الابداعي الناصع.

ماذا أفعل بالخيال وهو سائق أعمى؟

وماذا أفعل بالشعر وهوَ

مرآبٌ لطائرات وسفن من ورق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 





نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق