الأدب الفصيح

طريق النحل ! ( جنة ) / ناديا ابوساق

نشر الموضوع :
صيف ١٩٨٧
كنت أتوق جداً لرؤية منزل (جنة )  كانت تنزل من ذلك المرج الترابي  المنحدر للأسفل  لتغوص بعده  وتبحر في المزارع الخضراء الممتده  ، وتختفى  بين  أغصان القصب ،  كنت أهرول  بكل ما أوتيت من قوة وبسرعة كبيرة  أصعد درج المنزل أفتح شباك غرفة جدتي  المطل على تلك التلال الخضراء   أقفز فوق سرير جدتي ابقى   واقفه   حتى تختفى جنة   ، وفي كل مره تفشل محاولتي     في البحث عن  بيت جنة 
جنة
طفله ما زالت متشبثه بذاكرتي  لا تريد الهرب مع غيرها  من الذكريات  التي فقدتها بمرور الخيبات   التي لا تعد ولا تحصى ،
جنة  لم تكن احدى زميلاتي في الفصل  المدرسي بل كانت صديقة الطريق والدرب  الذي يوصلنا من المدرسة  للبيت ، .لم يكن سائق الحافله المدرسيه يكلف نفسه  عناء الدخول للحي  اكثر ،  كان يقف في اول الشارع ويتركنا  ننزل لنواصل الطريق  مشيا على الاقدام  ،  عندها كنت اتوقف انا وجنة قليلا تحت ظل ذلك الجدار الطيني الممتد  على حافة الشارع  لنلعب  ونرسم الدوائر بلعصي  ونستريح  او لعلنا كنا نبطى  العوده  للبيت  عمداً  ، كنت اعلم انني لن اجد امامي احدا لاستقبالي  بوجبة الغداء  مثلا  ، او بسؤالي عن كيف مضي يومي الدراسي، كنت اعود لاجد جدتي تغط في نوم عميق  ولن تسمعني مهما احدثت من جلبه  ولن تستيقظ الا حين يصدح اذان العصر من المسجد المجاور    ،   وجنة كانت   تفضل  الهروب من  عصى والدها  الاعرج ومن ذلك والعمل  الطويل الشاق الذي كان ينتظرها  حين تعود ، والد جنه الذي وصل من أرضه عابر الحدود بقدم ونص القدم  توقف  قبل سنوات يحمل هوية المجهول أمام منزل( سمره  )   أمرأه سمراء  تعيش وحيده      ترعى بعض الأغنام  وتعيش  منها  أصبحت (سمره) هي وطنه الوحيد  وبعد شهور  من وجوده في أرضنا تزوج  من (سمره)  وأنجبا العديد من الأبناء   لكن جنة  كانت أبنتهم الوحيده  ،  و بطريقه ما حمل أبناء سمره  اسم والدها  كي يصبح لهم هويه  تغطي  هوية والدهم المجهوله ، لم يحمل أبناء سمره  لون بشرتها السمراء جدا ، كان لون بشرتهم مختلف  تشبه بشرة والدهم   الحنطيه الداكنه  ولون عيناه  البنية الفاتح جدا   ، كان جنة الوحيدة من بينهم التي  تتميز بشعر  طويل  ناعم جدا  كالحرير و كليل  اسود  أنه  لا يشبة شعر والدتها  الخشن  ،  جنة ورغم كل المشقه كانت طفله تبتسم   وتضحك دوما ، عيناها الجميلة  ذات بريق شفاف بريء  طاهر  ، في إحدى الايام  تأخرت جنة لم تعد تأتِ في موعد الحافله  معي  تحت شجرة اللوز كل صباح     ، طال  غيابها  أسبوع  أسبوعان   واكثر  ،  وكنت كل يوم  في العوده اتأخر  واجلس  تحت الجدار    كما كنا نفعل سويه  ،  في احدى الأيام  قبل أن ادخل المدرسه كان يتوقف أمام باب المدرسة  رجل  كبير بدين  ذو لحية حمراء وصفراء   يبدو لونها في الشمس كلون الكستناء  ثوبه الابيض القصير  وبطنه الممتد أمامه أنفه الكبير وعيناه الغائرتان  ذات نظره  مرعبه  أنفاسه التي كنت اسمعها  من بعيد قبل أن ادخل  باحة المدرسه ،   الفتيات  يلتفون بشكل دائري مزدحم   أصواتهم  عاليه  مررت من بينهم متسائله  في نفسي  ماهو سر تجمعهم  بهذا الشكل 

انها ( جنة )   ؟!
في ذهول وصمت  شاهدة جنه  انها ليست جنة   هل أصبحت  بعد هذا الغياب ( جنات )  ؟!  عينا جنة ممتلئة بلحكل الأسود  وشفتيها ملطخه بلون الاحمر الفاقع  و تضع في أذنيها أقراط  طويله  ذهبية اللون   وفي معصمها  الصغير صف طويل من الاساور  الذهبيه الضخمه  صوتها  يرن بقوه مع كل  حركه بسيطه  وعلى صدرها عقد ذهبي يصل الى سرتها  ماذا فعلو بك ِ يا جنة   هؤلاء الرجال الكستنائيين  سلبو حياتنا  أرواحنا في وقت مبكر جدا ً  .

لقد تزوجت جنة ؟؟!!   لقد باعها  والدها المجهول لذلك الرجل ذو اللحية الحمراء   لقد  جأت  جنه للمدرسه
لقد اقنعها ذو اللحية الكستنائيه بأن  خروج المرأة  من البيت للمدرسه عار و رجس من عمل الشيطان ، ولكي تتخلص من هذا العار و الرجس يجب عليها  أن تحرق كل  الأوراق التي تثبت أرتكابها لهذا الذنب  العظيم ، خرجت جنه من المدرسة تحمل ملفها الأخضر  حيث كان  لون قلبها منذ زمن بعيد ،   وخرجت في الشارع  أجري خلفها     أردت أن أودع  رفيقة الطريق  الوحيده   لكن سرعان ما  توارت  عربتها  بعيدا  ومن نافذة العربة  تطايرت أوراق  الملف   مع الريح     القوية  ،  في اليوم التالي عدت وحيدة للمنزل و على ذلك الطريق وجدت ملف أخضر     مرمي  على قارعة الطريق متمرغ بغبار الرمل ،   أدركت  انه ملف جنه اخذت الملف اخفيته في حقيبتي  وركضت  بسرعه  للبيت   وفي المساء  فتحت الملف لم أجد سوى ورقة وحيدة بقيت معلقة في الملف   كانت تلك الورقة   رسمة  رسمتها  جنة في حصه من حصص الرسم   التي كنا نحبها جداً ، بيت صغير ملون في وسط تله خضراء السماء زرقاء والشمس ساطعة ممتلئة بدوائر ملونة  وعلى الباب يقف رجل برجل واحدة   الطريق البعيد و الممتد   طفلتان   طفلة  تبكي واخرى تمسك بيدها في صمت    .
 
 
ناديا ابوساق  
نجران 
المملكةالعربية السعودية
نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

1
إترك تعليقك

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
اميرة ابوساق Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
اميرة ابوساق
ضيف
اميرة ابوساق

لطاما ابهرتينا بجمال مقالاتك وقصصك وفنك كلمة ابداع قليلة في حقك ناديا.. انتظر جديدك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق