الأدب الفصيح

الأحرف الحرة / بقلم : خالدة خان

نشر الموضوع :

يوماً ما سأفجر الكلمات، سأصنع منها قنبلة أحملها معي، لن أدعها تنفجر سريعاً، لن أفعل ذلك، ولن أضع لها مؤقتاً، سأخرج كأي يوم في نزهة لأختار المكان المناسب، هدفي سيكون شارع مزدحم بالناس، أراقبهم عن كثب وفي عز انشغالهم ألقيها علي الأرض بقوة، بوم… فتطير الكلمات في الهواء وقد انقسمت إلى أحرف منفصلة ومنقسمة إلى قطع صغيرة، تسقط ببطء كريشة طائر أحرف ممزقة تغمر الجميع بأجزائها، جثث حرفية وأجزاء كلامية، لن يكون هناك ضحايا فهي مجرد أحرف لا تقتل، من كان قريباً ستصيبه الأحرف بخبط خفيف، أشبه بسقوط حبات المطر، والبعيد سيسمع الصراخ ليركض تجاهنا يستطلع ما حدث، لن يكون هناك ضرر يذكر، سيكون الصوت عالياً نوعاً ما، ثم يحل الصمت…

بعض الحيوانات، في المكان تبتعد قليلاً ذعراً من حركة الناس ثم تعود إلى المكان حين يعم الهدوء، لن يصيبها شيء، ستنظر إلى كل شيء ثم يتابع بعضها طريقه دون اهتمام، والقليل منها يدور في المكان، السنور يقترب من سين في حالة يرثى لها، السنة الأولى ناقصة والسنة الأخرى بالكاد معلقة ببقيتها، يقوم بتحريكه بأنفه لتصبح أكثر انفصالاً عن بعضها ثم يبتعد، كلب يشم روائح الأحرف هنا وهناك فلا يجد ما يثير اهتمامه ليغادر إلى سلة المهملات المقلوبة رأساً على عقب، يأتي غراب من أعلى المبنى ليهبط بجانب الأحرف في ركن قصي بعيد عن البشر، ينتقل بين الأحرف الممزقة إلى أن يقترب من حرف الخاء فيلتقطه ويعود مكانه تاركاً النقطة وحدها، وعلى طرف الشارع بجانب الرصيف فأر يمر سريعاً ويخطف جزءًا من الواو في طريقه ثم يرجع إلى مخبئه.

تصرف البشر سيكون مختلف عن تلك الحيوانات، ففي البداية ينظر المارة حولهم من هول الصدمة لاستيعاب ما حدث، وأنا أقف وسطهم أراقب الجميع، يتسابق الصغار في جمع الأحرف بشكل عشوائي، ثم يبدأ الكبار في تقليدهم،  كل من يمر بذلك الشارع يتوقف ليجمع مع الآخرين فتات الأحرف الممزقة التي لا يمكن تميزها، كما أني أساعدهم قليلاً في جمعها، بعد مشاورات سريعة يتفق الجميع على وضعها داخل المركز التجاري حتى لا تطير بعيداً، بعد خلو الشارع منها أحاط الجميع بالأحرف من كل جهة في موقف مهيب، أصبحنا أمام جبل عالي من الأحرف المشوهة، يقترب طفل ليأخذ جزء ويسأل والده عنه، يحتار الأب فيحاول جمعه مع ما يناسب من الأجزاء الأخرى، وهكذا يتعاون الجميع في بناء كلمات من خيالهم، فيما يجتمع آخرون ليلعبوا الكلمات المتقاطعة من تلك الكلمات، كان الجميع يعمل في سعادة ونشاط لم يعرفها من قبل، لم يُعرف أهو تأثير الأحرف أم وجود الجميع في نفس المكان؟! لن يقوموا بترتيبها بالشكل المعهود، بل سيضطرون لترتيبها بطرق مختلفة، كأن يضموا النقطة للباء أو الميم أو حتى اللام، أو يضعوا الهمزة المخلوعة وسط الكاف أو على الهاء فوقها أو تحتها، وربما يتركونها على الطاء، لهم حرية التصرف التام.

النحاة من جهة أخرى ستكون صدمتهم أقوى، هم أيضاً سيشاركون في ترتيبها، إلا أن المعلومات التي درسوها لن تكون موجودة، لذلك سيشعرون بالضياع لبعض الوقت وفي أعماقهم يدركون بأن هناك أمر ناقص لا يعرفون كنهه، إلا أنهم لن يصلوا إلى شيء، فمع صوت القنبلة التي صنعتها ستنمحي الذاكرة وتُنسى القواعد، ستكون هناك حرية كاملة في خلط الحركات والنقط، أخيراً لن يكون هناك خطأ! لأيام وربما أسابيع سيستمر العمل مع الأحرف، وستكون هناك كلمات جديدة وسيصبح لدى البشر قاموس جديد، وحين ينتهي كل شيء سيكون هناك حفل بهيج يقام بهذه المناسبة، وألعاب كثيرة في خلط الأحرف وابتكار المزيد من الكلمات الجديدة، سيكون يوم مميز يتذكره التاريخ، وسيتذكرني الجميع دائما بقنبلة الأحرف الحرة…

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق