الأدب الفصيح

عبير .. / قصة – عادل الصفار / بغداد العراق

نشر الموضوع :

في لحظة لم أتوقعها أبداً.. ولم يخطر ببالي ذات يوم ان يتملكني شعور يملأ قلبي ويفيض كالشلال من خلال شغافه حتى وجدت نفسي اغرق حباً بطبيعة ما أرى أمامي وكأني أعيش الربيع لأول مرة في حياتي.. مدركات عقلي حقنت فجأة بسائل اشد تأثيراً من سائل المخدر الذي يحقن في صالات العمليات الكبرى.. وسيطرت على جميع حواسي براءة طفل تدفعه غريزته للعبث بالتراب والماء مستكشفاً اللون والطعم والرائحة وكل ما يحيط بوردة شاهدها تتألق مصادفة بهذه البقعة التي شدته إليها وكأنها أمه التي خرج للحياة من خلالها وراح يتمرغ بين أحضانها ويرضع من لبنها.. أحدق في الوردة وأنا أطوقها بين ذراعي، أضمها الى صدري، أتلمس وريقاتها بأطراف أصابعي، استنشقها بملء رئتي محاولاً جمع ملامح تناثرت أجزاؤها بين درجات ذاكرتي وإعادة تشكيلها في مخيلتي.. حتى خلتها تتحرك متأوهة:ـ انك تخنقني، دعني التقط أنفاسي قليلاً..

فأجبتها:ـ أحبك.. أحبك بكل معاني الحب وأشكاله وألوانه، لقد جعلتني أشعر بالحياة وكأني لم أكن مولوداً قبل الآن..

ـ ولكن حبك يقتلني.. انني اشعر بالموت يسري في أجزاء جسدي، أرجوك تذكر بانني وردة ضعيفة رقيقة، شدك لي على هذا النحو يقطع جذوري، يفصلني عن تربة الأرض، انني أموت..

فصرخت: ـ لا.. لا تقولي هذا أرجوك.. موتك يعني موتي، فأي معنى للحياة بعدك..؟! لكن رائحتك تجذبني اليك.. دعيني أدس وجهي بين ثنايا تربتك لعلي ابلغ جذورك فانهل منها ما يروي ظمأ عروقي..

ـ إذن أنت مصمم على موتي من اجل أن تهنأ بسعادة كنت تحلم بها..

ففككت طوق ذراعي عنها، لكني أجهشت بالبكاء وأنا أمرغ وجهي بذرات التراب مستنشقاً بعنف عبيراً يدفعني الى اختراق أديم الأرض والولوج بين طبقات التربة لأبلغ ليس فقط جذور الوردة وانما مصدر تلك الرائحة التي أجهدت ذاكرتي فوق طاقتها وهي تبحث عن نثار ملامح تجمعها لتشكلها في مخيلتي..       

شعرت بالوردة تسألني عن سبب بكائي.. فأجبتها:

ـ ذكرك للموت اعاد الى مخيلتي كابوس رؤيا عنيفة جعل الدنيا من حولي غمامة سوداء تلفني ملتهبة.. وهي تشعرتي بأنها تكاد تمطرني بسهام من جمر يتلظى من خلال صورها التي تتجسم أمامي وتزدحم في مخيلتي، أناس يهتفون منددين بالظلم والطغيان داعين للخلاص والحرية.. لكن السماء فجأة هدرت فيها اصوات محركات الطائرات، وازدحمت الشوارع بالمدرعات.. جيش جرار واجههم بأسلحة فتاكة، رشاشات ومدافع وطائرات فتعالت اصوات عنيفة جداً انفجارات ورصاص كالمطر، وصرخات تنبعث من خلال دخان كثيف، جثث تناثرت في كل مكان وانهر من دم تدفقت بغزارة حتى كادت تغرق الشواع.. وأنا اصرخ مرعوباً فزعاً مختنقاً بعبرات بكائي باحثاً عن مكان أحتمي به فلم أجد.. حتى شاهدت عربات تجرها الخيول محملة بعدد كثير من الصناديق التي يضعون فيها الموتى، وراحوا يجمعون الجثث المخضبة بالدماء.. ثم راحوا يرصفون الصناديق على العربات بعضها فوق بعض.. كابوس عنيف داهمني وانا لم أكمل عامي الثالث من دراستي الابتدائية بعد ان كنت أرى الحياة في أجمل صورها من خلال زميلتي التي تشاطرني مقعد الدراسة.. فجأة..!! وإذا بالملامح تتجمع أمامي بعيداً في أعماق التربة.. فصرخت بفرح شديد ودموعي تنهال بغزارة، شعرت انني اتحرر من جسدي متجهاً نحوها:

ـ عبير.. عبير.

ودموعي تنهال فاتحة أمامي نفقاً اليها وهي تشرق شيئاً فشيئاً.. حتى تألقت فاتحة ذراعيها لتضمني، وجدت نفسي مستهزئاً بالموت ساخراً منه ومن العالم الذي ما انفك يهددنا به.. تعانقنا بشغف عنيف.. وجعلنا نردد معاً:

ـ ما لهذا العالم الذي يهددنا بالموت ونحن لم نولد بعد.. هل فلسفة الحياة هي نولد حتى نموت..؟!!

قصة : عادل الصفار – العراق

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق