الأدب الفصيح

طرف ثالث / قصة : مياسة النخلاني

نشر الموضوع :

بعد أن توطدت العلاقة بيننا، بدأتْ صديقتي تحكي لي عن معاناتها التي طالت، حديثها الذي بدا لي وكأنه محض من الخيال جعلني أشك بأنها تعاني من مرض نفسي، ربما انفصام بالشخصية، أو لعل تجربة موت زوجها بعد أسبوع واحد من الزفاف، جعلها تمر بحالة اكتئاب، شوشت عليها تفكيرها وجعلها تخلط بين عالم الخيال الذي نشاهده في الأفلام والدرامات التلفزيونية وبين العالم الواقعي، كان هذا هو التفسير المنطقي الذي خرجت به، والذي كان بمثابة صمام أمان منعني من الانزلاق لأفكار لن توصلني لطريق آمن، لكن الأمر لم يدم طويلا فسريعا وجدتني محاصرة بمخاوف جعلت فكرة الجلوس معها على انفراد نوع من أنواع المغامرة غير المحمودة.

كانت صديقتي تدَّعي أن جني يتلبسها، عززتْ هذا الادعاء بأن جعلتني أتحدث معه، لا بل هو من طلب الحديث معي – حد قولها – بنفس صوتها الذي طرأ عليه نبرة رجولية خشنة،  بدأتْ تحكي ، بل بدأ يحكي، فلكما تذكرت تلك اللحظات لا أستطيع أن أجزم بأن محدثتي كانت أنثى، فرغم مرور سنوات على تلك الحادثة، لا زلتُ متيقنة بأن من حدثني ذلك اليوم كان ذكرا، وذكرا ليس من البشر في شيء.

بدأ الحديث بأن عرف بنفسه، لا أتذكر اسمه فقد كان اسما غريبا جدا، أخبرني لماذا تلبَّس صديقتي، أدَّعى أنه يحبها،  أخبرني ماذا يريد منها، ما هي ديانته ومن أين أتى، قال الكثير والكثير باسترسال، ليس هذا فقط بل أدركتُ لاحقا بأن صوت صديقتي الذي لم يكن صوتها، لم يكن هو الذي استخدمه للحديث معي، بل جني آخر – عابر سبيل-  كما وصف نفسه، حيث تم استدعاؤه لغرض الترجمة لي، فالجني الذي يتلبَّس صديقتي لا يتحدث العربية، لكنه مسلم ويحفظ القرآن كاملا -كما وصف نفسه – وكانتْ صديقتي قد أخبرتني في وقت سابق، أنها عندما كانت تذهب لتلقي العلاج ،  ويبدأ الشيخ بجلسة القرآن، كان يرد عليهم ساخرا بأن “كيف تحاولون إخراجي بالقرآن وأنا أحفظه كاملا؟!”، لكني لم أسألها هل هو الذي كان يرد عليهم حينها أم أنه يستدعي جنيا آخرا ليترجم لهم؟! ربما لن تفرق معكم هذه المعلومة لكنها كذلك معي، لأن لو كان الذي لا أستطيع تذكر اسمه – ولعل هذا من حسن حظي- يتحدث العربية فقد تم خداعي في تلك الجلسة بأنه أحضر مترجما، وأنا الصراحة لا أحب أن يستغفلني أحد ولو كان من العالم الآخر!

ستسألونني ماذا لو كانت صديقتي هي من اخترعت القصة كلها وضحكت علي؟! معكم حق،  فقد طرحتُ هذا السؤال على نفسي كثيرا، لكن … وضعوا خطا أحمرا تحت لكن، ما كانت تلك النظرة التي لمحتها في عيني صديقتي حين بدأ الحوار الغريب ذلك اليوم؟! أقل ما يمكن وصفها بأنها كانت نظرة شيطانية. فحين تغيرت نبرة صوتها وأصبحت خشنة، ثمة بريق غريب أشبه بالشرارة أخذ يومض في عينيها، والتي تكررتْ كثيرا بعد ذلك اليوم، لأنه  -كما أخبرتني – أصبح يحضر باستمرار كلما جلستْ معي بانفراد، لدرجة أني حين أجلس معها، وفي منتصف الحديث أتوقف فجأة وأسألها”هل حضر؟!” فتسألني كيف عرفتِ، أخبرها بأني بت أعرف من خلال النظرة في عينيها، فكلما لمحت ذلك البريق، أدرك جدا أن طرفا ثالثا موجودا معنا, لكن الحقيقة والحقيقة تقال بأني لم أجرؤ يوما على سؤالها أو سؤاله عن سبب حضوره كلما جلستْ معي!!

كان أقوى حضور له والذي أطلق كل صافرات الإنذار في داخلي، حين جلستُ مع صديقتي في ركن منعزل بين مباني الجامعة في فترة ما بعد الظهيرة، كنا قد أنهينا محاضراتنا، والهدوء يعم المكان.

أخذنا نتجاذب أطراف الحديث بشكل عادي، فجأة بدأت الريح تهب حولنا، رغم أن الجو كان هادئا جدا ولا أثر لنسمة واحدة في الهواء، لكن الريح حولنا – وحولنا فقط – ازدادتْ قوة، وأخذتْ تحرك الأكياس البلاستيكية المتناثرة بشكل دائري حولنا، تجاهلتُ الأمر في البداية وإن لم أستطع منع نفسي من القلق والشعور بأن ثمة شيء خاطئ يدور حولي، بعد دقائق تسلل قط غريب من بين الأشجار ووقف قبالتنا يحدق بنا بشكل مريب، هنا عجزتُ عن تجاهل الأمر أكثر، نظرتُ ناحية صديقتي بحدة وصحت “نووووال!!”، مع صياحي توقفتْ الريح ، وتوقفتْ صديقتي عن التحديق بالقطة والتفتتْ ناحيتي ببطء، ليسقط قلبي هلعا حين لمحتُ في عينيها تلك النظرة، وعلى جانب فهما  تتراقص ابتسامة خبيثة .

مهما حاولتُ لا أستطيع أن أتذكر كيف انتهى لقاء ذلك اليوم، ولا كيف غادرنا المكان، وكأن ذاكرتي مسحتْ تماما،  كما لم أجرؤ على الجلوس مع صديقتي في مكان منعزل مرة أخرى، ولعدة أسابيع كنت أصحو مفزوعة عدة مرات في الليلة الواحدة من كوابيسي التي لا تخلو من نظرات شيطانية ، وقطط تحدق بي،  وريح تدور حولي حتى يصبني الدوار.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق