المقالات الأدبية

في شعرية الجسد والتجافي قراءة في ديوان ” أنا أكتب إذا أنا أمحو ” للشاعر الحسن حيضرة

نشر الموضوع :

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

يكتب الشاعر والفنان التشكيلي مولاي الحسن حيضرة كأنه يخرج توا من حفرة معتمة، كفراشة أيقظتها رفات الحرير بعد بيات طويل. يكتب لأجل أن يمحو متقمصا دور الزاهد الرائي الذي ألهمه الفارض حكمته الشهيرة:” لا تقلع عن المحو فأنت حي بالإمحاء”.
يعتبر الشاعر حيضرة وجوده الشعري حالة جنوح اضطراري. ليس مثنا كامنا في ذاته، يحتفي بعقل يثور على سليقته، وسرعان ما يبلغ سماء الوجد، فيعبر إلى الكمون. كأنه يرى ولا يرى، ويغامر بما ملكت رقوته السابرة علو النفس، حتى يرتقي الإلهام وينتشي غير عابئ بالواقع ولا منتصبا لقامة الوصول.
منذ بداية باكورته الشعرية ” أنا أكتب إذا أنا أمحو” يستعيد الشاعر حيضرة دلالة الحرف وإدراكه، مستشفا رموز الالتقاء والافتراق، قابضا على جمر الانتشاء بماء العبور وطود السنا، وهو يقرأ ما يتلألأ بين الجوانب، في سعادة شعرية حقيقة بالتأمل والانغمار، يقول في مطلع أول القصيد البهي :
أقرأ
أرى الحرف الجليل في عينيك يتلألأ
أقرأ
شرف الطريق للقدم التي تدنو وتجرأ
أقرأ
تدرك كيف ينتشي الماء عند نبع الصفاء عجبا من مديح الظمأ ” ص ـ 9″
ومع كل كمين يفتح ترقوته، وفي كل فعل قرائي مسافر، يقود الشاعر حيضرة تيه النقيض في تبدلات النفس واندفاعها، مختزلا كل الجغرافيات النصية انطلاقا من التراكم النصي المفتوح على كل الاتجاهات، بما هو توتير للحاظ القول الفصل والرسم الكلامي المسجى بوميض مندس، يطفو فجأة بين الليل والنهار.
يجوس حيضرة خلال أبعاد متعاقدة، تروم الانحياز للبوح وإظهار الحياة، في تعالي يخطف الأبصار ويعيد الدفء لرسم حدقة الشعر، منسلة بين الأصابع كماء منسدل خفيف:
.. تقدم أيها الضوء اكتب انخطافها، قلب الظاهر على الباطن،
باغث عريها بعري،
عطفها بعطف، غيها بغي، حرفها بحرف،
هي شهرزادك والشهد بينكما رياح،
الغصن مياد، والعش فواح،
منها القوس ومنك الشد وشحذ الرماح … ” ص ـ 14 ”
فالقرابة المعقودة بين الصمت والقول هي الزبد الذي يطوي مسافة الرؤية ويحد علامة الإبصار. علاقة تستدعي المشاركة السالبة، التي تفك طلسم العزلة ونارها الثاوية :
افتح لها باب الانعتاق من جحيم الصمت إلى جنة الكلام
من نتوء الهمس إلى مرمر اللمس،
من شبهة الوشي إلى بهاء العري،
من لظى الشوق إلى نشوة العشق …” ص ـ 13 ـ
لا شك أن للشاعر دفوعاته النصانية المتحولة، التي تضاهي متواليات كتابات شيوخ النص الصوفي، وعلى رأسهم ابن عربي والنفري وابن الفارض وابن الجنيد، وهي متواليات تعبر في كل أوضاعها عن تماسك فائق الدقة والتصويب، وهو تماسك دلالي يقبل على كل جملة متحفزة للتفسير والتأويل، في خط داخلي هو امتداد لتفسير غيره من العبارات الشعرية الحكمية الماثلة المتتالية.
إن تلك الدفوعات المرهقة للعين الناظرة هي في حاجة متداعية للاتصال بنظر الكتابة الشعرية، وحدودها الواعية بقيمة إغراق الصور الحسية في عوالم من متاهة التناظر والتحول، ومداعبتها على نحو يثير الإحساس بسريان سحر من الشك والارتياب، الصدمة التي تزيح شكل الغشاوة عن مفازات كاتمة للصوت ورؤيا الجمال:
يقول حيضرة في قصيدة ” في عين النورس تقرأ ذاكرة البحر” في استطراد عميق:
أيتها الكلمات .. إني اصطنعتك لنفسي فتسلقي المعاني، وروضي هذا الدفين، تحسسي الأعضاء ماء وجمرا، بردا وسلاما، تعرفي على الظاهر والمكنوز، الضامر والمكتنز، على نص الوصية وحق الورثة، على رمل العطش يحتله الشوق لغمر في رحم السحاب، على ماء الرشش يحلم ببطن جهراء ترشفه رشف الرضاب، على هدهد اليقين يمشط عرفه يغفو ولا ينام ..” ص ـ 19 .
كأني بحيضرة يستحضر ذاكرة ميري ويرنوك وهو يشرح ذاكرة رخوة مليئة بالشجو واللامبالاة، إذ هي ليست مجرد شيء نستثيره عن عمد، أو فارقة عابرة في زمن متكلس، بل هي امتداد لجذور فيسيولوجية متمثلة في الدودة والأخطبوط. وهي ذاكرة يستدعيها الشاعر حيضرة بنوع من التجافي والضمور الروحي :
” الذاكرة حجاب لخرقه وفك طلاسمه سر دفين بين القلم والنون .. ألف في قلب دائرة كل الحروف في حسنه حائرة، دائرة سطرت في برزخ بين روح صفت في بحر بين حاء ونون، وعقل يهوى ولوج الثقب في إبرة الجنون. ” ص ـ 17.
وإذا كانت كل حقائق الحياة وصنوف عيشها رهينة بقراءة خرائط الوجود وتفكيك طلاسم الكينونة، فإن الشاعر حيضرة يستشعر هذا التدبر من خلال التذكير والنبش في مساحات متناظرة من المفاهيم والحتميات الفلسفية، كالتي تتردد بين جوانح الكتابة ومتاهاتها، معانقة الأشكال المتقمصة للمعنى ولأضداده، وهي الكيانات الجوهر في ملاذات مفتونة بالوشم والتخفي خلف مناطق محجوبة لا يراها إلا من ضمن التيه فيها واللبوس دون سواها. كالحقيقة التي ” هي سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه أنه الفاعل بك فيك منك ، لا أنت” بتعبير ابن عربي. أو هي ” شهود نور الحق في مظاهر الخلق ، أو شهود نور الربوبية في قوالب العبودية ” كما قرأها العارف أحمد بن عجيبة. فإن حقيقة حيضرة لا ترى بالعين المجردة، ولا تسترفد بالعقل الذاعر. إنها حقيقة واعية بالسياقات الكبرى لوجود الانسان، من حيث هو مثال للقيم ومجسد لها، وضامن لاستمرارها. يقول حيضرة في نصه الشامخ ” الحقيقة أم العراة” :
“لي في الظلمة أسرار إذا التقى النور عليها جناحا لاذت واحتمت خلف قبة الفضاء، لكي لا تكشف الأسماء. ولي في الصمت مقامات سواها على الفؤاد حرام، أعلاها مقام السلام ـ لم يعيها شطح الأفكار ولا تحرش من حلو الكلام ..” ـ ص 22 و 23 .
وبنفس طعم الحقيقة ومذاقها الرخو المديد يستدير حيضرة مشاغبا صورة الجسد ونوازعها العاتية تحت سلطة العقل واقتياده الأثيم، مذكرا بانزياحات الحارث المحاسبي وهو يتدلل الجسد القيامي في نصوصه الصوفية الحرى، حيث ” التوهم ” الكتاب الشهير الذي يخوض في نزعات الجسد وإيروتيكيته الباذخة، يتمم رؤى المتصوفة في تيمات الجسد الممهور بعنفوان الشهوة واللوعة والإسراف!.
الحتمي أن تأثيرات المحاسبي على نصوص حيضرة في الجسد والثورة بادية للعيان، مستقاة من فرادة النص العاري الكاشف عن تراكمات النصوص التشكيلية الشذرية التي اشتغل عليها حيضرة كفنان كاليجرافي وتشكيلي عميق. ونماذج ذلك مبتوتة في شذريات أدونيس ودرويش وحداد والماغوط ودنقل ..الخ ، التي جسدها حيضرة في أعماله التشكيلية الشهيرة أواخر القرن العشرين الذي ودعناه.
يقول الشاعر حيضرة وكأنه ينساق مكرها لإحالة شديدة اللعب على وتريات تنغيم الجسد وتطهيره من كل الخرافات التوهمية والافتعالات المرتابة:
” ألا إن الجسد مضغة، إذا صلحت : السماء فم من قلب الشفق الأحمر، والأرض بساط قرب سندسي أخضر، والماء سنم عينه من عين الكوثر، والهواء عبق سليل المسك والعنبر، نضجت رمانته بما تشتهي الحواس مجاس الذات، وسرى دم العشق حتى احمرت من فرط الحياء الأجنة، الغمز على محياها بريق رصت مثل العتيق، كل حبة بألف ألف حسنة، السبحة بها في مقام ما شلء الله يفتح الصراط برقا والحجاب خرقا إلى جنة الآه.” ص 25
انظروا لهذا التماثل الآسر الذي يدور في نفس فلك الصور الشعرية بين حيضرة والمحاسبي. هذا الأخير يتخيل لذة الاشتباك مع أجساد نساء الجنة ويقول : ” فتوهم نعيم بدنها لما ضمتك إليها، وكاد أن يداخل بدنك بدنها من لينه ونعيمه. فتوهم ما باشر صدرك من حسن نهودها ولذة معانقتها، فبينا أنت كذلك، إذ تمايعن عليك فانكببن عليك يلثمنك ويعانقنك، فملأن وجهك بأفواههن ملتثمات، وملأن صدرك بنهودهن، فأحدقن بك بحسن وجوههن، وغطين بدنك وجللنه بذوائبهن، واستجمعت في مشامك أراييح طيب عوارضهن”.
وهي الصور المتواترة في ديوان حيضرة، منتقاة سوابغها وملاغبها بعناية فائقة. نقرأ ذلك بجمال ناذر في قصائد ” إن جسدا لا يصهل عليه أن يغادر موكب الخيول” و ” تحتفي الحياة بالجسد ويحتفي الموت بالجثة” و ” كل جسد مترع نافذة تستجدي الرشق” و ” بين الحديد والطرق مسافة للتأمل .. فراش النار” و ” من حق الملح أن يحن للحجر ..” و” لا هيبة لقناع ” و” ليس أمام العراة خيار إما الخصف وإما العناق” و ” وحده الرمح يتقن قراءة الجرح” .
كأن ما بين العقل والجسد ينطق منطق الإغواء، لا تحصره الأدوات التي تسع هذا العالم المليء بالرموز والعلامات السابحة في ذرى الشهوة والعشق وإدراك فوارق الجمال.
إن روح القصيدة عند حيضرة تنبع من مفازات الجسد والروح، وبينهما يستمد الكائن طاقته الكلية، غير منتبه لما يمكن أن تكرسه سحابات الصيف الذي تفتحه جدرانات الظلام ومثالب الخرق ز يقول حيضرة في “رقيم الخروج” :
” هكذا فتحت في جدار الظلام نافذة للضياء،
تركت بحر الوهم رهوا
وعبرت في الجرح لأقرأ الأحمر في دمائي
هكذا رشقت بألف الرؤيا عيون المرايا لتمرق بهاء العري وتصحو
ولجمت بياء العبارة مهرة العشق تغافلني وتنحوز” ص ـ 79
ذلك عين المحو في ذاكرة لا تنكتب دون سبر لسماد الحقيقة. كيف تكون وهي المرصوصة بنيران الشهقات وسيقان العورات وقبلات القبلات، ومباهج الحب العفيفة.
إنها شعرية الجسد التي تصوغ محبة الجسد مجازًا لا حقيقة، وتمنحنا بهذا الانزياح الشاهق سلطة فوق كل السلط الممكنة .
رحم الله سلطان العاشقين شرف الدين ابن الفارض إذ يقول:
فكل مليح حسنه من جمالها مــعار له، بل حسن كل مليحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ” أنا أكتب إذن أنا أمحو” ديوان الشاعر والفنان التشكيلي مولاي الحسن حيضرة ـ ط 1 ـ 2017 المطبعة الوطنية مراكش

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق