المقالات الأدبية

الحي الخطير أو مرتع عصابات الدولة والحثالة / د. فاطمة واياو

نشر الموضوع :

 

بقلم : د. فاطمة واياو

 

ربما أن المدخل المناسب لمقاربة رواية الحي الخطير،ليس إلا بعض الأحداث التي شهدها وطن يصر  مسئوليه على اعتباره بلدا لا فقر فيه خلال السنتين الاخيرتين، على سبيل الذكر وليس الحصر.  بداية ما حدث في منطقة جرادة حيث توفي عمال في منجم للفحم، فالمسألة لا تتعلق بخبر عن حدث عاد، إنه فضيحة على جبين المسئولين المغاربة، كيف تم إهمال هذه المنطقة، منذ إغلاق مناجم الفحم مما دفع سكان جرادة للعمل في مناجم غير مرخصة في غياب بدائل تسد رمق يومهم، مقامرين بحياتهم من أجل لقمة عيش؟؟ وقبل هذا الحدث الأليم توفيت نساء خلال تدافع في عملية خيرية من أجل الحصول على مئونة قليلة لا تغني ولا تسمن من جوع، وهي حادثة مخجلة لأنها تثبت مرة أخرى أن سياسة الإحسان والصدقة المعتمدة على التدين الخادع هي ملاذ حكومة فاشلة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضا. هذين الحدثين هما جزء قليل من فيض الفضائح الإنسانية، والتي كما سنرى في قراءتنا للرواية، أن المغرب هو مجرد صورة أخرى واقعية لحي خطير ولكن بحجم اكبر يمتد على طول رقعة المغرب الذي وللأسف يملك موقعا جغرافيا استراتيجيا كان من الأجدى أن يجعله أغنى بلد في المنطقة.

رواية الحي الخطير إدانة صريحة لواقع معاش مهمش ومنسي في مغرب القرن العشرين والممتد لمشارف الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، إنها رواية المسحوقين والمهمشين والحثالة على حد تعبير الكاتب محمد بنميلود على لسان البطل\ الراوي مراد. عوالم من قاع المجتمع يحملنا إليها الكاتب عبر سرد يتسم بلغة باذخة حبلى بالوصف الدقيق الحي والقابض على التفاصيل المنسية، موظفا قاموسا عاريا يكشف عورات العالم السفلي. تستدعي حوارات الحي الخطير متنا عاهرا وعنيفا ملطخا بالدماء على لسان شخصيات تعيش في دهاليز وهوامش المجتمع، رغم أنها تحتل حيزا في قلب الحضارة والمدنية والثراء الفاحش وسط العاصمة.  هكذا أراد الكاتب أن يمعن في احتقار هذا الواقع المتناقض من خلال اختيار مسرح الأحداث لروايته، فالحي الخطير  ليس إلا وصفا مناسبا لحي غارق في أوحال التفقير  والتهميش والعنف والذي لا يفصله عن الأحياء الراقية للعاصمة سوى نهر ابو رقراق ما يضفي على مكان الرواية غرائبية ودهشة هو محاذاته لأرقى أحياء العاصمة الرباط. إنها إشارة قوية تحيل على المعاناة النفسية لأبناء الحي فهم ليسوا منعزلين في جبال فقيرة وعرة، أو في مناطق نائية جنوبا أو شمالا، إنهم على بعد مسافات قليلة من أرقى أحياء وطنهم، أو بتعبير اصح وطن الآخرين من سكان حي أكدال وحي الرياض وحي السويسي.

الحي الخطير هو أيضا إحالة على ما آلت إليه أحلام التغيير، فمن النضال الجماعي والحلم بالثورة وبالتغيير  الجماعي عن طريق مسار علمي أيديولوجي واضح وهو الذي يمثله خال البطل مراد، إلى حلم بالانتقال الفردي. يمر شريط كل هذه الأحداث بتقنية التذكر او كما سماها الروائي محمد برادة لعبة النسيان. إنها عملية الاسترجاع التي تشوبها الحسرة في أحيان ولكن أيضا الإصرار على إتمام حلم الخلاص بالهروب المنتظر. لم يفقد البطل مراد أمله رغم الأحداث الدامية والانتكاسات المتكررة، انه صورة واضحة للمواطن المغربي الذي سرقت منه أحلامه عبر أجيال متتالية منذ الاستقلال إلى العهد الجديد، لكنه يظل قابضا على جمر المحاولة بل المغامرة.

الرواية تضعنا أيضا أمام السؤال الإشكالي، ألا وهو ماهية التغيير، هل يجب ان تبدأ الثورة من القاع وبالفوضى والهدم قبل البناء، أم أن الثورة الثقافية والفكرية وهو الاختيار الذي مثله خال البطل مراد؟ ، إنه الصراع الأبدي بين المصالح الفردية والآمال الجماعية في التغيير.  الحي الخطير تضعنا أمام عنف الواقع الذي يدفعنا للاختيارات الفردية، النجاة بالنفس ولو على حساب حياة الآخرين. لم يعد للخلاص الجماعي من معنى بعدما خبر مراد خفايا صندوق خاله المناضل اليساري الذي انتهى به المصير إلى الغياب القسري، على يد الجلاد المخزني أو بتواطئ وخذلان الرفاق الخائنين.

ألا يمكن القول بأن سجن مراد هو ليس فقط الزاوية الضيقة من سجنه الإنفرادي، انه رمز للسجن الكبير، فما الفرق بين سجن الحي الخطير وغرفة السجن المعتمة؟ كلاهما يجسدان المعاناة والوحدة والمستنقع الذي يجد الانسان نفسه فيه دون اختيار إنه أيضا يجسد الغدر والخيانة مثلما كان حثالة الحي يضمرون بعضهم لبعض. هل اختار أن يولد في ذلك الحي بدل الأحياء الراقية غير البعيدة، هل اختار أن يولد مجهول الأب، هل اختار أن يفشل في الدراسة ويجد نفسه عنوة منتسبا لعصابة الحي، بل عضوا ناشطا وفاعلا فيها؟ وهل يمكن أن تنتمي للحي الخطير خارج إطار عصابة ما؟ كيف يمكن لأطفال يولدون في مستنقع بشري أن يصيروا غير مشاريع مجرمين وحشاشين و قطاع طرق، وهو ما يريد مراد أن يعلنه حين يصف حيه قائلا:”  لم يكن في الحي بكامله مكتبة ولا كتب سوى القرآن في الجامع قرب المحراب، ولم يكن هناك معلم في الحي ولا موظف حكومي يرتدي بذلة و ربطة عنق، ولا محام ولا مهندس ولا وزير ولا شهادات دراسية تعلق على جدران الأكواخ…“. بل إن الكاتب يقر بأن من نجا من أبناء الحي وأصبح طبيبا أو مهندسا أو محاميا أو أستاذا لا يختلف عن الآخرين فهم أيضا أصبحوا أعضاء في عصابة الدولة. فما الفرق بين عصابة حثالة الحي الخطير وعصابة الدولة، إن لم يكن أن للأولى ضحايا محددين وضحايا الثانية هم  كل أبناء الشعب ومصير الوطن برمته، بحاضره ومستقبله بل وبتاريخه أيضا.

وظف الروائي لغة وصفية دقيقة تقبض على أدق التفاصيل سواء في شخصياته او زوايا أمكنته.  فيضعنا بذلك في صلب الواقع الاجتماعي في قاع الوطن، عالم الحشاشين الهاربين من واقعهم البائس عبر نفس المخدر او جرعة الخمر، عالم الدعارة والأطفال غير الشرعيين، الحي الخطير هو ملاذ لكل من لا ملاذ له، في مجتمع يعيش على التناقض والنفاق الاجتماعي. وإذ يتنقل القارئ بين أمكنة النص، بين أكواخ، ودكاكين و مواقع النفايات و ساحات وسخة ملاعب للأطفال، فانه يستعرض المشاهد والأمكنة وكأنه يتابع فيلما سينمائيا وهو ما يشي بالكثير من براعة الوصف ودقة الأسلوب.

يذكرنا ايضا متن الرواية بقاموس ومتن الراحل محمد شكري، لغة تأبى إلا ان تكسر حاجز المحرمات، والقواعد الاخلاقية الزائفة لمجتمع يعيش على الازدواجية اللانهائية. ولعل مقطع مقدم الحي وهو يخطب في جموع المصلين بالمسجد لأكبر دليل على استغلال الدين لممارسة القمع ضد المعارضين باسم الحفاظ على الأخلاق:   ” اسمعوا جماعة الخير، كنت في الصباح عند القايد، وقد اخبرني بأمور مستعجلة وخطيرة، لأعلمكم بها، وما أنا كما تعلمون إلا رسول مبين، لقد اكتشفت الدولة عصابة من السياسيين الملحدين الذين لا يصومون رمضان، ويسعون إلى تخريب البلاد والعباد، ويوزعون منشورات مغرضة ضد جلالة الملك نصره الله وأيده، ومقرهم في الدار البيضاء، ولكن لهم فروعا في كل مكان وفي كل جائحة سوداء، ولهم أيضا فرع هنا في حينا”  ص 119 .

يمكن القول أن الروائي وهو يصور كل هذه القذارة  في عالم روايته السفلي أو القاع كما يسميه يذكرنا بصدق وصراحة الوصف والتعبير  مثلما أبدع الكتاب الروسيون. فمحمد بنميلود في روايته الحي الخطير ربما ينحو هذا المنحى، وكم نحن في حاجة لمثل هذه الأعمال التي تواجه الواقع بكل هذه الصراحة وهذا العري اللغوي الفاضح.

ادنبرة اسكوتلاندا

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق