الأدب الفصيح

رائحة زهرة / همايون آزاد – ترجمة: شمس الحق صديق

نشر الموضوع :

 

 

مولي، إياك أخاطب، كنت مثلك يوما ما – صغيرا. كنت في القرية، في الريف، حيث ينزل المطر مخضراً، مستطيلاً، معوجاً. يتفتح زنبق الماء؛ وفي الليل يطلع القمر مثل البالونة البيضاء. يطير على ارتفاع كبير من غصن النخيل. ثمة من هذا الجانب  بركة وفي الجانب الآخر بيوت ومنازل. وعلى مبعدة يسيرة، في الحقل، أرز، وأعشاب خضراء وزهور صفراء. خرجت قناة من بركة وذهبت إلى أهوار محملة قفزات سمكة بوتي، وأسراب سمكة خولشي. وفوقها جسر خشبي – متداع. وفي التحت ظل الجسر المتمايل. تلك هي القرية. في تلك القرية، أريد أن أقول بلغة الشعر القديمة، كنت قبل عشرين سنة. كنت في ضوء شمس بايشاك، وأمطار شاون. والقمر  الزبدي الأبيض.  وفي هواء ماغ الممزوج بالضباب. وذات يوم، ناسياً زهور اليقطين، ومهملاً إيماء أطراف نبات القرع، ومديراً الظهر إلى القمر، جئت إلى المدينة –إلى  داكا-  حيث أنتِ منذ صرختك  الأولى. لم تري كيف يتألف السحاب في السماء، وإلى أي مدى تتلون زهرة الرمان في غمرة الفرح. كيف ينقضُّ الرفراف في ماء البركة بعد أن تتلألأ في سمائها كالنجم الهادي.  يخرق منقاره الحاد القلب الأحمر لسمكة بابدا. إنك لم تري كل هذا.

أنت لا تعرفين، ولن تعرفي أبدا، كيف يكون الإحساس عند الرمق إلى الماء الأسود من فوق جسر قصبي متداع. ما رأيت الندى ولا الضباب، ولا  زهرة الياقوتية. رأيت سنابل الأرز، في التلفاز، وطائر العاسوق في كتب الصور. مارأيت قطرات عصارة النخيل تسلك طريقها عبر القناة فتنسكب، وما رأيتِ في البركة مشهد قفزات الأسماك. لاتعرفين كيف يكون الشعور عند مراقبة الأمواج المتلاطمة، وكيف يبدو الإحساس عند دحرجة الصباح إلى الظهر جرياً وراء طائر. أعرف  ____ لا، بل كنت أعرف. أنا الآن ملتف بالمدينة؛ فتحت قدمي خرسانات صلبة، وفي عيني ضوء نيون، أما الجهات الأربعة فتمرح فيها الشاحنات وتشخر. منذ أيام كثيرة لم أر مثلك القمر. هل يطلع القمر في المدن؟ ولم أر نزول الضباب بيضاء كقشرة الحليب، وفي ضفة نهر بادما لم أر سحاب الصفصاف الناصع البياض. منذ زمن طويل لم أر باقة  الأرز، مثل باقة النجوم. ولكن عندما أترجل، أتجول في المساء، أقرأ في كتاب، أذهب للنوم، أتقلب متفكرا في الأحلام، حينه أجد رائحة زهرة. تلك الزهرة هي قريتي. تلك الزهرة هي  ريفي. قرية صباي. راري خال. رائحتها تغدو تشق طريقها إلى دمي، ولحمي، وأحلامي، فيصبح كل شيء مضطربا مشوشا. فرائحتها،  عندي، هي أفضل الروائح في العالم أجمع.

تجيئ وتدخل من أنفي رائحة الليمون. رائحة روضة الليمون الآتية من حي الحدادين الذي يفصلني عنه عشرون سنة.  وفي حديقة الأترج على ضفة البركة يضيء نور القمر كتلة كتلة. هيلسا البادما تتلألأ في ومضات خاطفة. قفزت واحدة من أسماك شار بوتي في بركتنا الشرقية،  قفزت  من فرجة طوابير السرب وطفت  على الهواء ثم غطست في الماء كالقمر. إذا أراد أحد أن يعرف مني ماهو المشهد الأجمل  في هذه الأرض، فسوف أقول له، قفزة سمكة شاربوتي التي رأيتها في صباي هي لدى أجمل مشاهد الأرض قاطبة. فقد جمد أمام ناظري ذلك المشهد، كما في الأفلام، تظل الصورة أحيانا دون حراك. أجد رائحة شهر باوش __ تتقاطر العصارة الذهبية عبر قناة النخيل.  يتم إعداد الخبز؛ وبلمسات من أصابع أمي كم يصبح دقيق الأرز جميلا ولذيذا. بعد المساء تشتعل في  موقد الطين نار خشب مانغو الحمراء، وكأن الورود قد تفتحت داخل الموقد، محمرةً، وبعدد مئآت الآلآف. بزهور الخردل اصفرت الحقول  تلو الحقول، يتماوج البحر الأصفر مع الرياح، وتجيء الرائحة لتلامس الأنوف. يقدم شهر بايشاخ الغاضب متجلجلا، وراحت تتجمع  في ربوع الركن الشمالي الغربي من نفسه  السحب والرياح  الغاضبة. بمجرد هزيم الرياح ونعيرها، يجري الراعي ويجري قطيع أبقاره، يهتز الصفيح وبيت الخيزران. أجد رائحة كل هذا، وأسمع الصوت، وأرى جمال الوجه، الوجه الذي لا أرى ملوحته منذ عشرين سنة.

في خضم تلك الرائحة، وذلك اللحن، وزينة جمال الوجه لا يأتيني النوم. وفي النوم أيضاً بقيت اليوم مستيقظاً___ أرى أن رفرافاً ينهار من السماء مثل النجم الهادي وتسقط في البركة الشرقية، وفي منقارها الأحمر سمكة بابدا الدامية. وتعود البطوط الشبه النائمة. ينتشر ذهب القشوش في الساحات والحقول. خوار البقر الأسود يظل يحدث الصدى في الحقل الشمالي. هذا الخوار يتجاوز السنوات العشرين ويعبر المستنقعات ويقطع الحقول ويهجم على المدينة، يهجم على جميع بنايات مدينة داكا، على كافة الشوارع العامة، وعلى المنارات، وغرف الجلوس يغدو يرن الخوار ها-م-با. يبدو أن شيئا ما يزقزق داخل شجرة باذنجان. شخص يمضي راجلاً ___ جسمه عارٍ، لبس فقط إزارا ممزقا. يمضى راجلا في صبيحة شهر ماغ.  وفي ظهره انتفخت العروق مثل حبل  القنب. وكأني بي أرى هذا الرجل. زورقي الصغير يذهب طافيا، فأذهب لأربطه دائما. ولكنه لا يذهب بعيداً كثيراً. بل يبقى متعلقا بعشب دال  في منتصف البركة غاضبا قليلا ومضخما للشفاه. سيبقى كذلك للأبد حتى أذهب إليه سابحاً. هذه الحكايات الخيالية هي قريتي. أقص عليك بعضها، يا مولي، يا ساكنة المدينة، لأنك لم تري القرية، لم تري ندى الليل في أوراق الأعشاب وأوراق الأشجار.

 

  • من الأدب البنغالي
    ترجمة: شمس الحق صديق
نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق