الأدب الفصيح

أٌطفئت الأنوار / قصة : محمود خليفة

نشر الموضوع :

 

 

أُطفئت الأنوار، وتسلسلت الأجساد، وتحررت الأرواح، وانطلقت في عالم الملك والملكوت…

الكلﱡ في ذكر الله، الذكر الخفي؛ بأن يمرر لفظ الجلالة على كلﱢ ذرة من ذرات القلب، حتى ينير القلب، وتسطع الأنوار فيه، وتتلألأ، حتى تغمر الجسم كله، وتشع منه، وتتحرر الروح، وتنطلق في عالم الملكوت…

قال الشيخ:

-قبل إطفاء المصابيح، كل واحد منا يُخرج الدنيا من قلبه، بل يُخرج كلﱠ همومه، ويقبل على الله بكلﱢ قلبه، ونفسه، وجوارحه… وإذا أُنير القلب، وشاهد ما لا يستطيع وصفه، وحدث الوجد، وانفعل، فلا يلتفت أحد إلى أحد، فكلﱡ واحد مع نفسه، في ذكر الله عز وجل…

أغمضتُ عينيي كما أمرنا الشيخ، وأطبقت شفتيي، وحاولت أن أنزع همومي وأحزاني من قلبي. خطر لي بأن الوجد لن يحدث لي؛ لأن هذه أول جلسة، وأول صحبة مع هؤلاء المريدين. ودخلت في الذكر…

*****

تذكرتُ مضايقة مديري في العمل، واضطهاده لي لأنني لم أعطه هدية بمناسبة عيد ميلاده المجيد، وبعض الزملاء يهديه في كلﱢ المناسبات الدينية والوطنية، أما الباقي فهم مغضوب عليهم وضالون!…

حاولتُ طرد هذه الخواطر فلم أفلح، وتذكرت انتدابي للعمل خارج المحافظة لعدة أشهر، وقولي للمدير:

-لماذا لا يُنتدب (س) من الزملاء وكذلك (ص)  و(ض)  و(ط)  و(ظ)؟!

فيرد بفحيح بارد:

-إن هؤلاء الذين ذكرتهم مثل السمك في الماء، فإذا خرجوا خارج المؤسسة فإنهم يموتون!…

تمنيت وجود زر لقفل الخواطر عند الحاجة. ودخلت في الذكر…

*****

صرخ حولي أكثر من واحد.

الحمد لله لقد حدث الوجد للبعض، وعسى أن تنطلق أرواحهم  وتؤثر في نفسي، وتنطلق روحي ويحدث لي الوجد.

مررتُ لفظ الجلالة في قلبي من اليمين إلى اليسار وبالعكس، ومن أسفل إلى أعلى وبالعكس، ثم إلى كلﱢ أنحاء جسمي. الله. الله. الله …

خطر لي:

ارتفاع الأسعار الخرافي. وهبوط الدولار المذري. وارتفاع الذهب الجنوني. ومقتل بيناظير بوتو. وصراع فتح وحماس…

حاولتُ كبح جماح هذا السيل الجارف من الخواطر فلم أنجح، فتراشقت أمامي أخبار الشهداء في فلسطين والعراق وأفغانستان، وكأس الأمم الأفريقية 2008 في غانا، وموجة البرد العاتية…

صاح عن يميني مريد مردداً: “الله. الله. الله…”؛ فعاد إليﱠ وعيي، ودخلت في الذكر…

*****

تذكرتُ ما قرأته عن المريد الذي ظل أربعين سنة مع شيخه ولم يحدث له الوجد، فلما سأل شيخه عن سبب ذلك، أجابه: “كيف يرق قلبك وجبال الكبر قد سدت آفاقه، وكتمت أنفاسه… اذهب إلى السوق واحمل متاع الناس واخدمهم وتواضع لله؛ يرفعك الله ويرق قلبك ويحدث لك الوجد…”.

سمعتُ منْ يقول (بدون صياح): “يا سيدي: نعم. نعم. نعم…”، فقلت: ربما يخاطب أحد الأولياء أو ملك من الملائكة…

عدتُ إلى الذكر. الله. الله. الله…

*****

تمعنتُ في الذكر، وغبتُ عمن حولي، وطعمتُ حلاوة الذكر، وفرح قلبي، وشفت نفسي، وخف جسدي، وتراءى أمام عينيي بصيص من النور، ثم ازداد رويدا رويدا، حتى تفجر وتوهج… فقلت بصوت عالٍ: سبحان الله، وهتفت صارخا: الله. الله. اللــــــــــــه …

و لم أستفق إلا على من يضربني في قدمي لينبهني لأنهم قد أضاءوا المصابيح وانتهت جلسة الذكر.

 

قصة : محمود خليفة – كاتب مصري

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق